ابن تيمية

79

مجموعة الرسائل والمسائل

المصاحف ويشكلونها ، وأيضاً كانوا عرباً لا يلحنون فلم يحتاجوا إلى تقييدها بالنقط ، وكان في اللفظ الواحد قراءتان يقرأ بالياء والتاء مثل : يعملون ، وتعملون ، فلم يقيدوه بأحدهما ليمنعوه من الآخرة ، ثم إنه في زمن التابعين لما حدث اللحن صار بعض التابعين يشكل المصاحف وينقطها ، وكانوا يعلمون ذلك بالحمرة ، ويعملون الفتح بنقطة حمراء فوق الحرف ، والكسرة بنقطة حمراء تحته ، والضمة بنقطة حمراء أمامه ، ثم مدوا النقطة وصاروا يعملون الشدة بقولك شد ، ويعملون المدة بقولك مد ، وجعلوا علامة الهمزة تشبه العين لأن الهمزة أخت العين ، ثم خففوا ذلك حتى صارت علامة الشدة مثل رأس السين ، وعلامة المدة مختصرة كما يختصر أهل الديوان ألفاظ العدد وغير ذلك ، وكما يختصر المحدثون أخبرنا وحدثنا فيكتبون أول اللفظ وآخره على شكل أنا وعلى شكل ثنا . وتنازع العلماء هل يكره تشكيل المصاحف وتنقيطها ؟ على قولين معروفين وهما روايتان عن الإمام أحمد ، لكن لا نزاع بينهم أن المصحف إذا شكل ونقط وجب احترام الشكل والنقط كما يجب احترام الحرف ولا تنازع بينهم أن مداد النقطة والشكل مخلوق كما أن مداد الحرف مخلوق ، ولا نزاع بينهم أن الشكل يدل على الإعراب والنقط يدل على الحروف وأن الإعراب من تمام الكلام العربي ويروى عن أبي بكر وعمر أنهما قالا : حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه ، ولا ريب أن النقطة والشكلة بمجردهما لا حكم لهما ولا حرمة ولا ينبغي أن يجرد الكلام فيهما ، ولا ريب أن إعراب القرآن العربي من تمامه ويجب الاعتناء بإعرابه ، والشكل يبين إعرابه كما تبين الحروف المكتوبة للحرف المنطوق ، كذلك يبين الشكل المكتوب للإعراب المنطوق . فهذه المسائل إذا تصورها الناس على وجهها تصوراً تاماً ظهر لهم الصواب ، وقلت الأهواء والعصبيات ، وعرفوا موارد النزاع ، فمن تبين له الحق في شيء من